أبو علي سينا

118

الشفاء ( المنطق )

بهذا على سبيل الدور . فحسبوا أنهم حفظوا وضعهم أن البرهان موجود ، ووضعهم أن على كل شيء برهانا معا ، وتخلصوا عن ذهاب المبادئ والمقدمات إلى غير النهاية . وكلا الرأيين باطل . والمقدمة المؤدية إلى الرأيين - وهي أن كل علم إنما يقع بالبرهان ، وأنه إما ألا يكون علم أو يكون ببرهان - باطلة . بل الحق أن يقال . إما أن يكون كل شيء مجهولا ، أو يكون شيء معلوما . والمعلوم إما معلوم بذاته أو معلوم ببرهان . وليس كل شيء مجهولا : فإنه لو كان كل شيء مجهولا لم « 1 » يكن قولنا . " كل شيء مجهول " بمعلوم ، ولا كل شيء معلوم ببرهان « 2 » : فإنه لو كان كل شيء يعلم « 3 » ببرهان ، لكان كل برهان يعلم ببرهان ، وهذا محال ، فمن الأشياء ما يعلم بذاته . ولو تمموا القياس على هذا النسق لم يلزمهم ما لزمهم . وكيف يكون على كل شيء برهان وقد علمت أن البراهين تكون بمتوسطات بين حدين « 4 » ، ولا يمكن أن يكون بين كل اثنين من المتوسطات متوسطات بعدد ما بين الطرفين الأولين أيضا : لأنه لا بد في كل ترتيب عددي ، كان متناهيا أو غير متناه ، من تلو واحد لآخر . فإذا كان مثلا بين ج ، ب متوسطات بلا نهاية لزم « 5 » محالان : أحدهما أن يكون بين كل اثنين من المتوسطات متوسطات بعدد ما بين الطرفين في أنه لا نهاية له ، فيكون بعض محصور الجانبين مرتبا مثل الكل الحاصر - وهذا خلف « 6 » . والثاني أن هذه المتوسطات وإن كانت تذهب إلى غير النهاية ، فلكل واحد مما لا نهاية له من جانبيه جاران . ومعلوم أنه ليس بينه وبين جاره واسطة : فتكون إذن بعض المقدمات التي في الوسط لا وسط له ، وهو من مبادئ البرهان لا محالة . ووضع « 7 » أن كل علم بوسط : فيكون بعض ما هو مبدأ البرهان غير معلوم : هذا خلف . فبين إذن « 8 » أنه ليس كل علم ببرهان . وأن بعض ما يعلم يعلم بذاته بلا وسط ، فيكون عند النهاية في التحليل ، ويكون هو وما يجري مجراه المبدأ الذي تنتهي إليه مقدمات البراهين . فلا يكون أيضا ما ظن من أن مقدمات البراهين إما أن تكون بلا نهاية ، أو توقف في كل برهان عند أصل موضوع بلا بيان حقا « 9 » . بل الحق أن ذلك ينتهي إلى بين بنفسه بلا واسطة .

--> ( 1 ) ساقط في م . ( 2 ) ساقط في م . ( 3 ) ساقطة . ( 4 ) م + ولا يمكن أن يكون بين كل اثنين من المتوسطات متوسطات بين حدين . ( 5 ) س يلزم . ( 6 ) وهذا خلف ساقطة من س . ( 7 ) س وضع . ( 8 ) س ساقطة . ( 9 ) حقا خبر يكون .